من نافلة القول أن مصداقية المجتمع
الدولي (الغربي تحديداً) قد سقطت في وحل الكذب والمراوغة والمصالح التي باتت متحكمة
بالقرار الدولي. لقد سقطت قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان التي
طالما تبجح بها الغرب في مستنقع الإجرام السوري, لقد كان اختباراً حقيقياً للغرب
كي يبرهن عن مدى تمسكه بتلك الشعارات, التي أثبتت التجربة والواقع أنها ماتزال-
للأسف- مجرد شعارات تُستخدم للابتزاز أكثر منها قيم وأخلاق ومبادئ. لم نعد بحاجة
لمزيد مواقف وتصريحات لنستبين مصداقية وأخلاقية المجتمع الدولي تجاه ما يحدث للشعب
السوري من إرهاب ومآسي يندى لها جبين الإنسانية, مانراه اليوم على الساحة السورية
من صمت وذهول أمام تلك المجازر الوحشية اليومية للنظام, وتغاظ مخجل مقيت من قبل
الأطراف الدولية كافة, يفضح حجم السقوط الأخلاقي المشين الذي يرقى إلى مستوى
التواطؤ في جرائم الإبادة ضد الشعب السوري الصامد.
ومع ذلك, ومن باب الإنصاف, نقول بقي
بصيص أمل وفرصة سانحة في أن يعيد المجتمع الدولي (الغرب الأمريكي الأوروبي) بعضاً
من الاحترام لنفسه وشعاراته تلك, وأن يستعيد بعضاً من ثقتنا به هنا في اليمن, ولن
يتأتى له ذلك إلاّ من خلال إظهار قدر أكبر من الالتزام والجدية والمصداقية إزاء
استكمال تنفيذ بنود المبادرة الخليجية التي كان قد ضغط بقوة من سابق على جميع
الأطراف المعنية للمضي قُدماً في توقيعها وتنفيذها. اليوم وبعد مضي حوالى ستة أشهر
على توقيع المبادرة وخمسة أشهر على إعلان حكومة الوفاق, ما تزال المبادرة وآليتها
التنفيذية تراوح مكانها, نتيجة مايبديه صالح وعائلته وحزبه من تعنت وممانعة في
قبول ما نصت عليه المبادرة, وفي مقدمتها البدء في خطوات إنهاء الإنقسام في أوساط
القوات المسلحة والأمن وصولاً إلى هيكلتها بشكل كامل. هذا الأمر هو أهم بنود
المبادرة التي أقنعت شباب الثورة بالتهدئة, والاتجاه صوب صناديق الاقتراع لانتخاب
هادي رئيساً, ومع ذلك, لا يبدو حتى الآن أن الشباب قد جنوا ما ضحوا لأجله. وبرغم
صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2014, متضمناً الدعوة إلى محاسبة المتورطين بقتل
شباب الثورة, ومهدداً في الوقت نفسه بالعقوبات معيقي العملية الانتقالية للسلطة,
إلاّ أننا لم نلمس حتى الآن أية خطوات أو توجهات جادة في هذا الجانب, على الرغم من
حالة التمرد التي قادتها عائلة صالح سواء في الدفاع الجوي أو في ألوية الحرس
الجمهوري التي ماتزال متمردة إلى اليوم. كثيرة هي التهديدات التي سمعناها من مختلف
الأطراف الدولية والإقليمة ضد المتمردين على شرعية الرئيس هادي, الذين يستميتون في
إفشاله وحكومته, ويضعون أمامهما العقبات والصعاب, ويختلقون المشكلات من كل نوع
بقصد زيادة الوضع سواءً, حتى وصل بهم الأمر إلى إشعال الجنوب وتحويله إلى إمارات
لما يسمى بأنصار الشريعة, فيما تركوا الشمال يسقط تدريجياً بأيدي ما يسمى أنصار
الله, في حين توقفت عجلة الهيكلة, وأخذ الإرهاب يضرب يمنة ويسرة, ومع ذلك يقف
المجتمع الدولي متفرجاً وعاجزاً عن اتخاذ العقوبات التي هدد بها لوقف هذا الإنهيار
وهذه الفوضى العارمة, رغم معرفته بمن يقف ورائها!! وليس هذا فحسب, بل جرى تأجيل
جلسات مجلس الأمن الدولي من موعد إلى آخر, لإعطاء عائلة صالح فرصة إضافية لمراجعة
حساباتها, بينما تستفيد هي منها في إثارة المزيد من الفوضى وزعزعة استقرار البلد.
وخلال (11) زيارة قام بها جمال بن عمر, المبعوث الأممي إلى اليمن, استطاع فقط إقناع
شقيق صالح, قائد الدفاع الجوي سابقاً, بالنزول عند قرار الرئيس هادي بإقالته
وتسليم قيادة الدفاع الجوي لخلفه, وما عدى ذلك لم تثمر جهود بن عمر أي شيء آخر
فيما يتصل بالرئيس السابق, من قبيل إقناعه بمغادرة البلاد وترك العمل السياسي في
حزب المؤتمر. أما تمرده على قرارات هادي ورفضه تسليم اللواء الثالث حرس جمهوري
والقوات الخاصة, فقد أخفق بن عمر في ذلك, وعاد ليحمل تقريره إلى مجلس الأمن,
ملمحاً إلى أنه سيتعرض فيه لمن يقفون حجر عثرة في طريق المبادرة والإنفراج
السياسي. لكن يبقى السؤال: ماذا بعد؟ وماذا بوسع مجلس مجلس الأمن أن يفعل؟ وكيف
سيتصرف إزاء هذا التعنت والممانعة من قبل صالح وعائلته؟ لقد تبين أن صالح أستطاع
عبر اتصالاته, ومراوغاته في إعطائه بعض الوعود الكاذبة, وكذا علاقاته مع الروس
إرجاء جلسة مجلس الأمن التي كانت مقررة في السابع عشر من مايو, وبذلك تمكن من
الإفلات من عقوبات محتملة. والمثير في الأمر, أنه بدا أكثر تصلباً هذه المرة مع
السيد جمال بن عمر, فرفض بشكل قاطع إنهاء تمرد اللواء الثالث حرس, وهو ما جعل بن
عمر يغادر منزعجاً بسبب عدم إحراز أي تقدم في شأن إنهاء التمرد المستمر منذ أسابيع
عدة. وعلى مايبدو فإن صالح يعول على استمالة الروس والصينيين إلى جانبه في جلسة
مجلس الأمن المرتقبة يوم 29 مايو, بحيث يخرج القرار القادم بلا عقوبات كسابقه. وفي
هذا السياق, التقى الأمين العام المساعد للمؤتمر, سلطان البركاني, بكل من سفيري
الصين وروسيا للتباحث في هذا الشأن. وهنا نعيد التأكيد على أن مصداقية المجتمع
الدولي باتت على محك الأزمة اليمنية, إذ لا أحد ينكر أن معظم أوراق الضغط هي بيده,
وأنه متى ما أراد إنفاذ قراراته فإنه يستطيع فعل ذلك, ومتى ما أراد التطويل
والتسويف وإفراغ قراراته من مضمونها فإنه أيضاً يستطيع فعل ذلك. فإذا كان جادا
بالفعل في إنهاء أزمة اليمن والخروج به إلى بر الأمان بأقل كلفة كما يقال, فسيتخذ
قرارت صارمة بحق أولئك المتمردين المعرقلين لسير المبادرة, وإذا كان مايزال يفضل
اللعب مع كافة الأطراف, ويرى أن مصالحه تتوزع عليهم جميعاً, فسيظل في مربع
المناورة والمرواغة, مكتفياً بإطلاق التهديدات دون أن يتبعها أي شيء على الأرض.