الرئيس هادي وجد نفسه مضطراً لمصارحة قوى
الثورة بالحقيقة المرة, التي من المؤكد أنها لا تخفى على الكثيرين ومنهم المجلس الوطني
لقوى الثورة السلمية, لكن هؤلاء, ربما, كانوا فقط بحاجة لتأكيدها من مصادرها, وهذا
ما فعله الرئيس. فقد أكد لهم أن الوضع ما زال صعباً ومعقداً، وأن الأزمات الأمنية والسياسية
والاقتصادية, وحتى الاجتماعية كفيلة بالتأثير السلبي الكبير بل ربما الانهيار والوقوع
في مزالق الحرب الأهلية.
رئيس الجمهورية الذي ناقش مع الهيئة التنفيذية
للمجلس الوطني لقوى الثورة الأسبوع الفائت التطورات والمستجدات على الساحة اليمنية,
أطلع الأعضاء على جملة من العوائق التي تقف أمام العملية الانتقالية وسيرها بالوتيرة
المطلوبة، مؤكداً أن هناك بطئاً في سير العملية. وأبلغهم أن ما تم إنجازه وتحقيقه إلى
الآن لا يتسق وتطلعات الشعب اليمني نحو تحسين أوضاعه في شتى المجالات. بل لقد ذهب إلى
أبعد من ذلك حينما أطلعهم على الصعوبات التي يواجهها هو شخصياً، مؤكداً لهم أنه لا
يستطيع حتى اليوم إدارة أعماله من دار الرئاسة, وأن منزله لا زال يتعرض للرصاص بشكل
شبه يومي!! وأشار إلى أن المهمة اليوم أمام كل القوى الوطنية تخليص اليمن من هذا الوضع
الخطر والخروج به إلى آفاق السلام والوئام. مؤكداً أن مهمة الحكومة الملحة هو العمل
بكل قوة وإصرار على إخراج اليمن من الظروف الصعبة الراهنة وتنفيذ المبادرة الخليجية
وآليتها التنفيذية المزمّنة. إذاً تلك هي باختصار حقيقة الأوضاع على الساحة اليمنية
بعد عام ونيف من الثورة الشعبية, وسبعة أشهر من إعلان حكومة الوفاق, وأكثر من أربعة
أشهر على انتخاب الرئيس هادي. إنها الحقيقة كما هي, بلا زيادة أو نقصان, ومن فم الرئيس
نفسه, ولا يستطيع أحد الإدعاء بأن ثمة مبالغة وتهويل زائدين للتقليل من حجم الإنجازات.
إلاّ إذا كان الرئيس نفسه يبالغ ولا يحسن تقدير الأمور فهذا شيء آخر. لكن المؤكد أن
رئيس الجمهورية هو أدرى الناس بما يعتمل على الساحة, وهو الأكثر قدرة على تقدير الموقف.
الحقائق التي جاء عليها الرئيس تقول: إن البلد لا يزال معرضاً للانهيار تحت وطأة الأوضاع
الأمنية والسياسية والاقتصادية السيئة, وأن العملية الانتقالية تسير ببطء, كما تعترضها
الكثير من المعوقات, وما تم إنجازه حتى الآن لا يلبي تطلعات اليمنيين. والأهم من ذلك,
أن الرئيس الذي يمثل أعلى سلطة في البلد, والذي انتخبه الشعب ليكمل معه مسيرة الثورة
وأهدافها يقول بكل صراحة ووضوح أنه لا يستطيع مزاولة أعماله- كرئيس دولة- من دار الرئاسة!!
وأن منزله لا زال يتعرض للرصاص بشكل شبه يومي!!!.. حسناً, بماذا سيجأر المواطن إذا
كان رئيس الدولة لا يأمن على نفسه, لا في منزله ولا في مكان عمله؟ كيف نريد للوطن أن
ينعم بالاستقرار وللمواطن أن ينعم بالأمن, بينما رئيس الجمهورية نفسه لم يعرف إلى الآن
معنى الأمن والاستقرار؟
في اليمن فقط يتشاطر المواطن العادي ورئيس الدولة
هم البحث عن السكينة والأمن !! سيقول البعض- كما هي العادة دائماً- ثمة مبالغة وتضخيم
للموقف, وما يزال الوقت مبكراً للحكم على المرحلة الانتقالية, لكننا نحيله إلى ما قاله
الرئيس وهذا يكفي, فإذا لم يشأ أن يفهم فهذا شأنه. وفي كل الأحوال, علينا إبراز الصورة
كما هي دون رتوش, وأن نُظهر الحقيقة بلا زيادة أو نقصان, بعيداً عن الأحلام الوردية
وتسويق الوهم بذريعة بث الأمل وإشاعة التفاؤل. وهذا الأمر وإن كان مطلوباً, بل وضرورياً
في بعض الأحيان, إلاّ أنه يتعين أن لا يقتصر على مجرد الكلام, بل لابد أن يسبقه فعل
وإنجاز حقيقي على الأرض, وإلاّ صار نوعاً من الكذب والتضليل. فثمة خيط رفيع بين الوهم
والأمل قد لا يستبينه البعض, فالأول لا رصيد له على أرض الوقع, ويصدم الناس في آخر
المطاف, وربما يتسبب في انهيار معنوياتهم, وهو يسلبهم الفرحة التي عاشوها في عالم الأحلام.
بينما الثاني يتكئ على جملة مبشرات وإنجازات واقعية محفزة, لا مجال فيها للضبابية والغموض.
كلمات الرئيس وتوصيفه للوضع الراهن على
ذلك النحو المذكور آنفا, ألا تستدعي عملية مراجعة وتقويم شامل لأداء ما بعد توقيع المبادرة
لاستدراك ما يمكن استدراكه؟ قال الرئيس هادي, إن المهمة اليوم أمام كل القوى الوطنية
(هي) تخليص اليمن من هذا الوضع الخطر والخروج به إلى آفاق السلام والوئام. وهذا بدوره
يطرح تساؤلات عدة من قبيل: لماذا ما تزال البلد واقعة في إسار هذا الوضع الخطر؟ ومن
يتحمل مسئولية استمرار بقائها في هذا الوضع الخطر؟ ولماذا لم تعمل المبادرة وآليتها
التنفيذية على انتشالها من هذا الوضع؟ ثم من هذا الذي بمقدوره أن يخبرنا إلى متى يمكن
أن يستمر, أو لا يستمر هذا الوضع الخطر؟ يرى الرئيس أن مهمة انتشال اليمن من هذا الوضع
الخطر, تقوم بدرجة أساسية على القوى الوطنية, بما فيها حكومة الوفاق الوطني, فيما يرى
المجلس الوطني لقوى الثورة أن على رئيس الجمهورية وحكومة الوفاق تهيئة الأسباب وتوفير
ممهدات حوار وطني بناء وفاعل يعول على مخرجاته في وضع لبنات اليمن الجديد. ويذهب المجلس
الوطني إلى أن ثمة محاولات للالتفاف على أهداف التغيير, من بقايا أركان النظام السابق,
التي قال إنها ما زالت تستقوي بامتلاكها للمقومات المالية والإعلامية المغتصبة والمنهوبة
من أموال وممتلكات الشعب, واستمرار إدارة بعض أفراد عائلتها لتشكيلات عسكرية وأمنية
تهدد بها الإنجازات النسبية التي تحققت خلال هذه المرحلة. وأكدت الهيئة التنفيذية للمجلس
الوطني لقوى الثورة السلمية على ضرورة المضي قدماً باتجاه إنفاذ إجراءات المرحلة الانتقالية
كما وردت في آلية مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية وقرارات مجلس الأمن 2014
و2051 الهادفة إلى تحقيق التغيير المنشود بالتجسيد العملي لأهداف الثورة الشبابية الشعبية
وأهم تلك الإجراءات تسليم السلطة. وهنا تحديداً مربط الفرس, تسليم السلطة التي مازالت,
للأسف الشديد, بعيدة عن متناول الرئيس وخارج سيطرته, رغم المبادرة وتصويت سبعة ملايين
يمني له!! وهذا ببساطة شديدة هو سبب عدم مقدرته مزوالة عمله من دار الرئاسة, واستمرار
تعرض منزله لإطلاق النار بشكل شبه يومي. وهو كذلك سبب استمرار محاولات الالتفاف على
أهداف التغيير, ومحاولة سرقة الثورة عبر ثورة مضادة تستقوي بالدولة المختطفة, وبمؤسسات
الشعب وممتلكاته المنهوبة, ترفض الاعتراف بثورة الشعب وتريد في الوقت نفسه تقاسم مكاسبها
والدخول معها في شراكة!! هذا هو الوضع الخطر الذي عناه الرئيس هادي وحذر منه, وهذا
هو الوضع الخطر الذي حذر منه المجلس الوطني لقوى الثورة. لكن على من تقع بالضبط مسئولية
إنهاء هذا الوضع الخطر؟ ومتى يمكن الشروع في إزالته.