يموتون في المنافي

يموتون في المنافي

في المنافي يموتون غرباء، أبناء صناع "المجنات" يدفنون ليلاً وينتهي الأمر لا التربة تعرفهم و لا الأرض يعرفونها، ذهبت بهم الأقدار نحو البعيد هناك، حيث الطقس المختلف، و الأشجار التي بلا رائحة، و المطر الذي يأتي دفعة واحدة و لا يبدأ ببشارة "الرهيم".

 

لا أقسى من الموت غربة إلا غربة القبر ، اعتاد بناة المدرجات و فلاحو السهول و الوديان و الجبال، أن يحفروا المجنات الكبيرة التي تتسع للعديد من أفراد أسرهم الريفية، يعشقون الجيرة الطيبة فوق الأرض و تحت الأرض، إذ لا يترك اليمني أحبابه حياً وميتاً.

 

لم أكن لأدرك هذا المعنى لو لم أراهم يموتون غرباء في المنافي البعيدة، في الزمن البعيد ضحكتُ مراراً من فعلهم و هم ينظرون نحوي بعين القائل: "يا سالي الدهر كله سهمك من الهم باقي" كانوا يقسمون اللحود في المجنات على أساس أبوي؛ اللحد الأيمن للأب و الأيسر للأم، و يليهم الأبناء، إلا أن بعض النساء كن يفضلن أن يدفن في مقابر آبائهن، ربما للتعبير عن الاحتجاج عن الضيق من أزواجهن في الحياة فيبحثن عن الراحة بعيداً عن طلباتهم في الممات، وربما كان الحنين لأيام الصبا في كنف أهلهن.

 

الحياة في أراضي الفلاحين و الرعاة قاسية لكنها علمتهم العمل بشكل مجموعات، و العمل بهذه الطريقة من أفضل أنواع العمل بحسب علم الإدارة الحديثة، تعلموه من الطبيعة و من أرض الحضارات الملهمة لسكانها.

 

يهرب الناس اليوم من العمل في مجموعات منضبطة ظناً منهم أنهم في عصر الحرية و الفردية، و غفلوا عن حقيقة أن هذا الفرد مهما تطور لا يستطيع أن يفعل لوحده ما تفعله المجموعة أو الجماعة من الناس، فيوم تفردنا صرنا جزراً معزولة في قُرانا و مدننا، و أنعكس هذا التنائي السلوكي على التفكير، و لذا تموت أحلام الناس و هم يمشون على الأرض، و من مات حلمه فهو في جحيم إلى أن يلحق به.

 

يموت الغريب في المنفى، فيقال مات فلان من اليمن، عاش في بلده (قروياً) و مات خارج الديار (يميناً) ، و هذه الحالة تستحق التوقف ملياً، يا الله لماذا نعيش قرويون ونموت يمنيون؟؟!! هل من دلالة هل من خطأ في هذه الحالة؟؟!!

يعيش فلان "يمانياً" و إبناً لليمن في الخليج، و يعود "إبناً" لقريته بعد خمسين أو ستين عاماً.


يا قسوة الموت في المنافي علمينا أن الوطن غالي، و أخبري الحمقى الذين صنعوا كل هذا الشتات أنهم ملعونون في الحياة وفي الممات، أخبريهم أن التشرد ليس هروباً من الوطن و لا سفراً قاصداً و لا سياحة و لا تجارة بل جرحاً قاتلاً يدمي ضحيته حتى النفس الأخير، و أنه موتٌ سريري و انتظارٌ لرصاصة الرحمة التي أخطأتها سبابة القناص على ناصية المطار ذات سفر.

 

ما بال الزعماء و القادة والبعاليص الكبار الذين يرفعون أسمى التهاني والتبريكات بكل المناسبات ؟! كيف لا يرفعون التهاني لموتى المنافي و غرباء القبور، كيف إذا صحى اليماني في قبره ونظر في وجوه الناس من حوله؛ سود و بيض و حمر، مات متلفتاً يملأ الخوف و الضجر عينيه، و صحا في قبره على أناس لا يتحدثون بلسانه و لا تجمعهم حكاية و لم يأكلوا الجبن المدخن من قبل، ربما ساعتها هو من سيرفع التهاني للقادة و الزعماء من قبره و يبشرهم بسقر التي رأها من قبل أن يجد نفسه في هذا الشق المعزول من الأرض، فليرفع لهم البرقيات فهم يستحقون، هم أيضا من أهل المنافي لكنهم يتناسون.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى