الفضول.. أيقونة الثورة

الفضول.. أيقونة الثورة

في مثل هذا اليوم من ست وثلاثين سنة رحل عن دنيانا الشاعر الثائر عبد الله عبد الوهاب نعمان المعروف بـ (الفضول) بعد أن تغنى ما يزيد عن عقود ثلاثة في محراب الحب والثورة، ووصل بقصائده الجميلة إلى وجدان عموم اليمنيين في مختلف مدنهم وقراهم.

ومن المهم الإشار في سيرة هذا الشاعر العملاق إلى مرحلة ثورية في غاية من الأهمية سبقت مرحلة القصيدة الثورية لديه ألا وهي مرحلة الصحافة الثورية، حيث كان أحد أهم أقطابها في فترة الخمسينيات في مدينة عدن حيث أسس صحيفة الفضول التي اعتمدت خطا صحفيا سياسيا معارضا لحكم الإمامة ولكل ما يتعلق به من مظاهر التخلف والظلم والاستبداد، وقد سلكت في ذلك مسلك الخطاب الساخر الذي كان يمثل لوحات كاريكاتورية في غاية من الطرافة والإضحاك، وكان لهذا الطابع الصحفي تفرده وجمهوره العريض، فقد كان سوق النكتة السياسية آنذاك رائجا نتيجة الوضع المتخلف والإصرار على إبقاء حياة الناس مغلولة معزولة عن مسيرة الإنسانية نحو النماء والتطوير.

تظافرت عدد من العوامل في تشكيل شخصية الفضول الثورية كان أهمها استشهاد أبيه في سجون الطاغية يحيى حميد الدين إضافة إلى تبني عدد من مثقفي أسرته خطا ثوريا مناهضا للإمامة ومنهم عمه الأستاذ أحمد محمد نعمان.

ومن عوامل تشكل شخصيته الثورية أيضا احتكاكه بكوكبة من كبار الثوار وخاصة المثقفين منهم من أبناء الجنوب والشمال كالزبيري والأصنج وغيرهم وكذلك ثقافته الواسعة التي تجلت واضحة في حسن إدارته للشأن الصحفي أولا ولتميزه في عوالم البوح الشعري بشقيه الثوري والعاطفي ثانيا.

كان الفضول شاعرا مرحا مقبلا على الحياة مسكونا بالكلمة الجميلة له حضور جاذب لدى كل من يعرفه ويتابعه، ترتسم على شفتيه ابتسامة راضية، وكان نقده السياسي حاضرا معه في كل وقت تعززه سرعة بديهة وحضور نكتة وسعة وعي، وكانت طرائفه السياسية تلقى رواجا واسعا ومن هذه الطرائف تلك التي وردت في كتاب مذكرات الرئيس الأسبق عبد الرحمن الإرياني فقد وجد الفضول أن التعيينات التي أعقبت قيام ثورة سبتمبر عام 62م لم تكن تلبي متطلبات المرحلة، بل يصدق فيها أنها كانت اجترارا للعهد الإمامي، وقد علق عليها الفضول بكلمتين اثنتين لا أكتر اختزل فيهما كل معاني الرفض والسخرية حين قال (صرفوا الإمام) والجملة بدلالتها الشعبية تعني أنه كان هناك إمام كبير في مكان واحد فوزعوه أئمة صغارا في كل مرافق الدولة مثلما توزع العملة ذات الفئة الكبيرة إلى فئات صغيرة.

 وكان مسكونا بالجمال يعطي قريته الكثير من وقته وخاصة في مواسم المطر حيث يطوف عددا من الوديان القريبة منه وكلما لاقى فيها الظلال استراح مهيئا طقوس الحضور الشعري، ومن هنا فقد شهدت تلك الوديان ولادة أجمل نصوص الفضول الثورية والعاطفية.

آمن الفضول بالحب في كل تجلياته، وقد دفعه هذا الإيمان إلا أن يكون محاربا من طراز رفيع للقبح في كل تجلياته فهو يرفض الظلم والقهر واستعباد الناس ويرفض الخيانة والغش والخديعة في العواطف والمشاعر ، ومن هنا فلم يكن يجد صعوبة في الانتقال من عوالم الثورة بماهي عليه من صراعات وجلبة وضوضاء إلى عوالم العاطفة بما هي عليه من رومنسية ورقة وسكون، فهو هنا وهناك شاعر صادق ينشد عالم المثل مترفعا عن كل ما من شأنه أن يخدش عظمة الإنسان ومشاعره المهيبة.

ومثلما استفاد الفضول من أيوب وخاصة على المستوى الشعبي استفاد أيوب من الفضول في أن فتح له آفاقا رحبة للتحليق صعدا في فضاءات الفن النبيل فأصبح به فنان الحب والثورة في اليمن ، لا ينازعه في ذلك أحد.

ولعل أفضل من استفاد من هذه الثنائية المعطاءة هو الفن اليمني الذي لولا الفضول وأيوب لكان محل رددي أيتها الدنيا نشيدي والهتافات لمن واملأوا الدنيا ابتساما شاغرا ولكانت مكتبة الفن العاطفي في اليمن دون هذين العملاقي ينقصها هذا النبع الثري المتشكل من صوتين أنقى من المطر وأشهى من ألوان قوس قزح.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى