الثقافة آخر الحصون

الثقافة آخر الحصون

تتبوأ الثقافة مكانة مهمّة في تكوين المجتمع لما لها من سطوة قاهرة في تشكيل وجدانه، وتكوين قناعاته، وفي هذا السياق جاءت مقولات كثر عن أهمية الثقافة كتلك التي تقول: اعطني شعبًا مثقفا أعطك حضارة إنسانية.

والمتأمل في تاريخ الكيانات التسلطية في الوطن العربي يدرك جليًّا أنَّ أول خطوة قامت بها لتدجين المجتمع ووضعه تحت عصا السمع والطاعة تمثّلت في ذلك التدجين الثقافي الذي مارسته المؤسسة الرسمية عبر إمكاناتها المقروءة والمسموعة والمرئية، واستطاعت بهذه الأدوات أن تهيمن على تفكير قطاع عريض من الشعوب إلى درجة أنَّ بعض شعوب المنطقة العربية تؤمن بما يقوله الإعلام الرسمي إيمانا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومهما ظهرت الوقائع والقرائن خلاف ذلك فإنَّ الأمر لا يعدو لديها أكثر من إشاعات مغرضه يسوّقها المرجفون  لزعزعة الأمن والاستقرار.

ومع تغييب الثقافة الأصيلة الفاعلة اتّسع المجال لظهور كالتوناتٍ مضللة، تتزييى بزي الثقافة، وتلبس مسوحها، وتمارس غواياتها في أوساط الناس، ومن خلفها تقف إمكانات رهيبة، ومعامل شتى تتفنن في صناعات النجوم في شتى المجالات الثقافية: في الغناء، وفي التمثيل، وفي الشعر والرواية. وقد مكّنها الإلحاح الدعائي والإعلامي من جعل هؤلاء قادة مرشدين للمجتمع، يقف الواحد منهم أمام شاشات التلفاز ليفتي في أمور شتى، وليتحدث عن سننه في الأكل والشرب ليقتدي به قطاع عريض من الشباب الضائع الذي يتلمّس القدوة.. فلا تدلُّه وسائل الإعلام الرسمية إلا إلى هؤلاء.

ومن هنا يمكن القول بظهور ما يمكن تسميته صنمية الثقافة: فنا وأدبا، وفكرا.. وصارت الكاريزما التي تصطنعها الدوائر المشبوهة لهؤلاء في لب اهتمامات الناس لتفضى حركة كل ذلك إلى خواء ثقافي شامل، يتفرعن فيه حملة المباخر وماسحي الأجواخ، ويعلو فيه الضجيج العابث، ويغيب فيه ذلك الصوت الجميل الذي تقوله الثقافة في مختلف مسارح تجلياتها.

إنَّ مقولة (الثقافة آخر الحصون) هي مقولة صحيحة في حالة وجود ثقافة جادة تعمل فعلا على تطوير المجتمع فكرا وسلوكا، لكنها مقولة تنطوي على فخ فكري كبير حين تكون الثقافة المعول عليها هشة ضحلة لا نبت فيها ولا ثمر، ومثل هذا الأمر لا ندركه مع الأسف إلا عند النوازل العظيمة التي تزلزل المجتمع، فيلتفت شمالا ويمينا باحثا عن أولئك الذين ظلوا على مدى عقود يتقوّلون الثقافة، فلا يجد فيهم غير مراب محتال، أو صامت عاجز، أو كيان منخور يتلمّس اليومي والعابر من فتات أربابه وولاة أمره.

لقد صدم المجتمع اليمني في هذا السياق من مواقف كيانات ثقافية كان يعدّها رائدة تنويرية، لكنه حين وقعت عليه الواقعة لم يجد أيا منها.. لقد صمت اتحاد الأدباء اليمنيين على سبيل المثال صمت القبور عما جرى ويجري، وتوارى ذليلا عاجزا، لا يستطيع أن ينبس ببنت كلمة حتى وهو يرى عددا كبيرا من أعضائه يهانون، وتُمارس عليهم أقسى أنواع المذلة، ويموت بعضهم تحت سياط الجوع، وينزل بعضهم من جلالة قدره العلمي إلى الشوارع ليعمل في مهن صادمة ذابحة... لقد كان الاتحاد يوما ما يصدر بيانات لحفظ ماء الوجه.. أما اليوم فلم يعد للاتحاد وجها.. فكيف بالبيانات؟

والأدهى من ذلك أن يأتي من يبرر للاتحاد هذا الموقف المخزي.. فيرى أن ضبابية الموقف تستدعي منه التأني حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود!!

فأي ضبابية هذه التي يزعمونها والأمور واضحة وضوح الشمس؟ وإلى متى يتأنى الاتحاد؟ إلى صبح يوم المحشر مثلا؟؟

كما صمتت عشرات الكيانات الثقافية التي ظلت خلال العقود الأخيرة تتغنى بالثقافة وبالفكر، وتعقد الندوات، وتقيم المسابقات.. صمتت لأنها آمنت أن العمل الثقافي يومها حافظة دوام، لا روح يسري في أوساط المجتمع، وبعث يعيد إليه الروح، وبذلك فإن أنظار الشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه صارت لا تلتفت إلى هذه الكيانان الهزيلة ولا تعيرها أدنى اهتمام، وعلى إيمان كامل بأنها ديكورات مصطنعة لا تنفع سلمًا ولا حرباً.. وويل لمجتمع تموت فيه الثقافة وتسسيد فيها البندقية وأزيز الرصاص.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2017 م

الى الأعلى