السبت 25 اكتوبر 2014م آخر تحديث الساعة 09:34:37 مساءاً بتوقيت صنعاء  
مواضيع القسماضافة للمفضلةارسال لصديقارسال لصديق
أكثر من ثمانية آلاف لغم زرعتها قوات العائلة إبان الثورة السلمية

بني جرموز: الموت بالتقسيط تحت رحمة الألغام

الجمعة 20 ديسمبر 2013 الساعة 06:59:58 مساءاً
الصحوة - طارق الجعدي
بني جرموز: الموت بالتقسيط تحت رحمة الألغام

تناقلت نبأ إصابته معظم وسائل الإعلام كآخر قسط استلمه أبناء بني جرموز من الموت الذي يهددهم بشكل لغم، إنه الطفل «فواز حصن» الذي استلم الموت ساقه اليسرى كقسط أول بانتظار قسط جديد من طفل جديد، قال «فواز» إنه مستغرب من بقاء هذه الألغام رغم انتهاء الحرب وخمود الصراع، كان فخورا بتسليم دفعته الأولى لكنه تساءل: هل على جميع أهالي بني جرموز تسديد أقساطهم طرفا ما أو دما مسكوبا؟ كان آخر الضحايا جنديا يعمل في معسكرات الصمع انفجر به لغم أثناء خروجه من معسكره الأسبوع الفائت، «الصحوة» تنقل مأساة بني جرموز والألغام التي تهدد حياتهم.

 سؤال بريء وجواب مجهول

هذا الواقع حتى اللحظة، فلم تزل الألغام في منطقة بني جرموز شمال العاصمة صنعاء خطرا يهدد أهالي المنطقة رغم الاستغاثات المتكررة ورغم الوعود الكثيرة من جهات حكومية، طرحنا السؤال الذي سألنا فواز على جهات مختصة فكان الجواب أن لا شيء له صلة واختصاص بقضية الألغام المزروعة في بني جرموز فالكل يتبرأ من الكل.

وبعد انتهاء الحرب التي شنتها قوات الحرس الجمهوري سابقا على قرى بني جرموز وأرحب نتيجة موقفها من الثورة الشعبية، منذ تلك الفترة حتى اللحظة والألغام المزروعة حول قرى بني جرموز تهدد المواطنين وبين الفينة والأخرى جريح أو مصاب أو متوفي.

ويقدر عدد الألغام المزروعة في منطقة بني جرموز بــ 8000 لغم حسب ما صرح بذلك قائد اللواء 63 المتمركز بجبل الصمع أثناء لقائه باللجنة العسكرية عقب توقيع الهدنة القتالية بين العسكر وأهالي تلك المنطقة، وأوضح قائد اللواء 63 أن تلك الألغام تتركز في مساحة قدرت بــ 600 كم، وهذه المساحة هي كل ما يحيط بمنطقة بني جرموز.

وتشكل هذه السلسلة من الألغام مصدر خطر حقيقي يهدد المواطنون فقد أصيب نتيجتها حتى اللحظة ما يقارب 29 حالة بتر قدم وثلاثة متوفين أحدهم مجهول الهوية أثناء مرورهم من المناطق الملغومة التي تحوط منطقة بني جرموز، من بين المتوفين امرأة مسنة كانت ترعى الغنم بصحبة أختها في منطقة الروضة أسفل جبل الصمع.

ومن بين مصابي الألغام 8 أطفال ما بين إصابة طرفية ومنهم الطفلين فواز حصن وحسين حصن أو تشويه جسدي كما حصل مع بعض الأطفال.

ومنذ إعلان التهدئة قبل حوالي عام بدأ شبح الألغام يطل برأسه ليهدد حياة مئات المواطنين في مقدمتهم الأطفال والنساء والشيوخ، وكذا حياة المواشي من أغنام وأبقار وغيرها من الحيوانات الأليفة، في قرى الخبشة وبيت دهرة والغولة وكذا المزارع المجاورة للصمع وغيرها من المناطق القريبة من المواقع العسكرية الحالية أو تلك التي كان قد تم استحداثها أثناء المواجهات وانسحبت منها القوات العسكرية تاركةً إياها حُبلى بالموت المتربص في آلاف الألغام.

 

ضحايا وألم

الطفل حسين يحيى صالح الجرموزي «كان حلمي أن أصبح مهندسا أو دكتورا ولكن فقدت أمل الحياة بكاملها بعد إصابتي التي منعتني من مواصلة التعليم» بهذا الحزن يروي حسين الجرموزي قصته تاركا للقارئ حجم المأساة التي خلفتها له ألغام العائلة.

يقول حسين « لكم فرحنا بانتهاء الحرب ورجوعنا من الملاجئ التي لجأنا إليها طوال فترة الثورة الشبابية إلا أننا فوجئنا بالموت يتربص بنا حتى بعد الحرب فقد عدت إلى بيتي حالما مثل كل يوم ولكنها أحلام تلاشت حين سمعت الأرض انفجرت من عند قدمي، صحوت بعدها على مستشفى وساق مبتورة ودم يتدفق.

وفي هذا السياق قال والد حسين « ابني هو أغلى ما لدي كان أحد الضحايا ولكم ناشدنا الجهات المختصة أن تنقذنا من هذا الموت وإنقاذ مئات البشر في بني جرموز إلا أن الآذان صمت عن سماع مناشدتنا.

ويختتم فصلا من قصة تتلوها قصص وحكايات كثيرة عن أطفال بني جرموز فهذا الطفل ظافر الربوعي ثانوية عامة وأحد ضحايا ألغام العائلة التي تتربص بأبناء بني جرموز فقدَ ساقه أيضا بلغم انفجر به أثناء تجوله بالقرب من بيته في قرية بيت دهرة.

ظافر الربوعي تحدث إلينا أيضا عن أمل حياة فقده منذ الوهلة الأولى للغم وهو ينفجر، يقول ظافر « لم أستوعب هذه الحالة ولم تخطر ببالي فبينما كنت أمشي بأمان داهمني عدو مجهول وأفقدني ساقي وأقعدني بقية حياتي على عكاز وسرير، وتابع ظافر «تبعد المدرسة عن بيتنا كثيرا ولذلك اضطررت أن أتركها».

ويواجه المواطنون خطر الموت أثناء قيامهم بنزع الألغام بأنفسهم من وسط مزارعهم بعد أن يئسوا من اللجنة العسكرية أو الحكومة في نزع هذا الموت من وسط مصادر رزقهم الوحيد.

ذهبت صفاء وأخوها الأصغر محمد للعب في الأماكن التي اعتادوا على اللعب فيها دائماً فوجدوا أحد الألعاب المختلفة التي لم يعتادوا عليها ، وجدوا لعبة الموت بانتظارهم فانفجر بهم أحد الألغام التي لم تدفن فخلف وراءه إعاقة صفاء في قدميها وشضايا في وجه وعيني أخيها قد تتسبب في فقدان بصره.

وعن حجم المأساة تحدث نبيل الأوزري أحد أهالي المنطقة للصحوة بالقول « هناك 600كم من مساحة بني جرموز تعتبر حقل ألغام مكشوفا ويهدد الأطفال ورعاة الأغنام وكذلك المشاه، لحد وصل أبناء بني جرموز معه إلى حجز أبناءهم عن الدراسة والعمل خوفا من الألغام.

ويضيف الاوزري « بعض الأهالي خاطروا بأرواحهم وذهبوا بأنفسهم لنزع الألغام من مزارعهم ليس ترفا وإنما اضطرارا فالمزارع هي المصدر الوحيد للرزق في هذه المنطقة، وأحد الأهالي أصيب في مزرعة وهو ينزع لغما أقعده عن الحياة.

وطالب الاوزري اللجنة العسكرية بسرعة إنزال لجنة لنزع الألغام في بني جرموز منعا لمزيد من الضحايا وحتى يتمكن الكثير من المواطنين من إصلاح مزارعهم والعودة إليها.

 

الأهالي يشتكون

إلى جانب التهديد بالموت الذي يشعر به أهالي بني جرموز من الألغام فهناك المزارع والحرف الصناعية التي هي مصادر عيشهم تظل رهن اعتقال تلك الألغام ومسورة بأسوارها المخيفة.

يقول عارف شريان « ترك الكثير من الأهالي مزارعهم وكساراتهم خوفا من الألغام والبعض الآخر ذهب لنزعها بنفسه، وهناك حرف كثيرة يعمل بها المواطنون مثل صناعة الجص وقطع الأحجار وكلها متوقفة منذ العام 2011م نتيجة الألغام.

ويتابع شريان « المواطن مهدد في حال الذهاب إليها ونناشد السلطات إزالة هذا الموت من أراضينا حتى نعود لممارسة أعمالنا ومصادر عيشنا.

وتعتبر قرى «بيت الحسام، الغربي، القصير، الحرة، بيت دهرة، الخبشة، الهجرة، غولة بني ساعد، الغولة، النبي أيوب» من أكثر قرى بني جرموز من حيث تواجد الألغام بها نتيجة قربها من معسكرات الصمع وفريجة حيث كان يعسكر اللواء 63 دفاع جوي واللواء 61 دفاع جوي.

من جهته أكد نصيب الجرموزي أحد وجهاء بني جرموز أن الكثير من الأهالي متمسكون بحقهم القانوني وسيقدمون دفوعهم لمحاكم الاتهام وعلى الأجهزة إقامة العدل وتطبيق القانون وحماية أطفال بني جرموز ونسائهم من ويلات حرب لا ناقة لهم ولا جمل فيها وكانت انتقاما من عائلة تحكم ضد شعب يثور.

وطالب نصيب بلجنة عسكرية تقوم بإزالة الألغام على أن تقوم اللجنة بأخذ خريطة الألغام من الجهات العسكرية المختصة حتى يأمن المواطن ويعيش بسلام.

 

إدانات دولية

وُجه للحكومة اليمنية إدانات محلية ودولية من منظمات حقوقية عدة كان آخرها ما قالته منظمته هيومن رايتس ووتش في الاجتماع السنوي لمعاهدة حظر الألغام من خلال تقريرها الذي قالت فيه إن على اليمن أن يحقق في مزاعم زرع الحرس الجمهوري اليمني آلاف الألغام المضادة للأفراد في عام 2011.

وورد في بيان صدر في نوفمبر/تشرين الثاني 2013 عن مكتب رئيس الوزراء باسندوه الإقرار بأن «انتهاكاً» لمعاهدة حظر الألغام قد وقع في عام 2011 أثناء الانتفاضة الشعبية المؤدية إلى خلع الرئيس السابق.

وجاء هذا الاعتراف بعد صدور تقارير من هيومن رايتس ووتش وجهات أخرى بأن قوات الحرس الجمهوري قد زرعت الآلاف من الألغام المضادة للأفراد في بني جرموز بالقرب من صنعاء. كان هذا هو أول اعتراف باستخدام الألغام الأرضية من قبل دولة طرف منذ بدء الحظر عام 1999. ومن أجل وفاء اليمن بالتزاماته فإن عليه إبراز وجود المخاطر وتوعية السكان من المخاطر وتطهير المناطق المتضررة وتوفير المساعدات للضحايا.

وقال ستيف غوس مدير قسم الأسلحة وحقوق الإنسان في هيومن رايتس ووتش: «هذا هو أخطر خرق لمعاهدة حظر الألغام منذ بدء سريانها قبل 14 عاماً وعلى اليمن ألا يضيع دقيقة واحدة دون أن يحمي سكان المنطقة، من خلال إزالة الألغام وضمان محاسبة المسئولين عن زرعها».

وفي ذات السياق قامت «بلقيس وولي» المسئولة في مكتب هيومن رايتس في اليمن بزيارة إلى عدة مناطق في بني جرموز في شهر مايو السابق، والتقت بعدد كبير من أهالي قرى بيت دهرة والقصير والخبشة وغيرها، كما التقت بعدد من المعاقين جراء الألغام وأهالي القتلى من الأطفال والنساء الذين قضوا بسبب الألغام.

وانتقدت وولي موقف وزارة الدفاع من الألغام المزروعة بمنطقة بني جرموز حيث قدمت مسئولة هيومن رايتس ووتش رسالة إلى وزير الدفاع بتاريخ 21 مايو/أيار 2013، دعت فيها الحكومة اليمن إلى إجراء تحقيق فوري في نشر الألغام المضادة للأفراد في منطقة بني جرموز، للتحقق من موعد نشر تلك الذخائر المحظورة ومِن هوية مَن نشرها وبأية سلطة، ومن أنواع الذخائر المستخدمة ومدى انتشارها.

وتشير شهادات الشهود التي جمعتها هيومن رايتس ووتش، والأدلة التي جمعتها منظمات حقوق إنسان محلية، وأدلة إضافية جمعها صحفيين دوليين، إلى أن قوات الحرس الجمهوري زرعت ألغاماً أرضية مضادة للأفراد في 2011 حول معسكراتها في منطقة بني جرموز.

وقال وجهاء محليون بمنطقة بني جرموز لـ هيومن رايتس ووتش إن قوات الحرس الجمهوري قاومت عمليات إزالة هذه الذخائر المحظورة على الرغم من تسبب الألغام في 15 إصابة مدنية على الأقل، بينها 9 أطفال، حسب رايتس الذي جمعت تقريرها قبل أن ترتفع الضحايا إلى 29 ضحية.

وفي 2 مايو/أيار نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالة بقلم صحفي مستقل هو جو شيفر، توثق خسائر جديدة جراء الألغام الأرضية من منطقة بني جرموز. قال له السكان المحليون إنهم شهدوا الألغام أثناء زرعها في 2011 على أيدي جنود يرتدون أزياء الحرس الجمهوري.

على الصعيد المحلي فقد أدانت منظمات مدنية عدم نزع الألغام واعتبرت هذا التجاهل المريب لنزعها مشاركة في جريمة الموت التي تسببها الألغام، فقد قالت منظمة يمن حقوق أن استمرار الألغام لتحصد مزيد من الأرواح من شأنه أن يضع المتورطين فيها على طاولة الإتهام، قالت منظمة يمن حقوق أنها قامت بحصر كافة الضحايا وقدمت دعوى قضائية ضد نجل صالح وبعض قادة الجيش الذي كانوا يسيطرون على المنطقة لتورطهم المباشر بزرع تلك الألغام.

واعتبرت منظمة «يمن حقوق» زراعة الألغام وعدم نزعها حتى اللحظة جريمة يعاقب عليها القانون، مطالبة الجهات المختصة بالتحرك من أجل حماية المدنيين في بني جرموز.

من جهتها قالت منظمة «رقيب» لحقوق الإنسان، إن بقاء الألغام خطر كارثي يهدد المدنيين ويجعلهم عرضة للموت دون ذنب، معتبرة تقاعس الجهات المختصة عن القيام بواجبها في نزع الألغام جريمة لا تغتفر، مؤكدة في ذات السياق عزمها على رفع دعوى قضائية ضد قيادات عسكرية اتهمتها بزراعة تلك الألغام من بينها نجل المخلوع صالح.

وتبقى الألغام المحيطة بقرى بني جرموز كابوسا يهدد المواطنين كلما لاح لهم أفق بحياة كريمة كسائر البشر، ويبقى تقاعس الجهات المختصة عن أداء واجبها تجاه مواطنيها وصمة عار في جبين المختصين، ويبقى أطفال بني جرموز رهن الموت وتحت رحمته يوزع لهم على شكل أقساط مريحة لمن زرعوا تلك الألغام وللحقد الدفين الذي يسكنهم.

 

الارشيف
النشرة البريدية
أضف إيميلك ليصلك كل جديد
   
تابعونا على
facebook
twitter
youtube
rss