الشاعر الغيلي: الإنسان مصدر إلهامي، والمقاومة الأدبية لا تزال ضعيفة
08/02/2010 الصحوة نت - حاوره: عبدالغني المقرمي:
اطبع الموضوع ارسل الموضوع لصديق مواضيع القسم

التقيته قبل ما يزيد على عقد ونصف من الزمن، وكان آنذاك في مقتبل عمره الشعري، متوثِّبا نشطاً عاشقا
للكلمة الجميلة حدَّ الثمالة.. ومرت الأيام سراعاً.. وغابت وجوه، وحضرت أخرى.. وما لبث صاحبي أن عاد يحمل في جعبته الكثير من القصائد التي أصبحت بفعل عمر تجربته وبفعل حرصه المتواصل على الغوص في أسرار الكلمة الشاعرة أكثر جمالا وأروع تجليا..

عبدالمجيد الغيلي شاعر يخبرك وأنت تقرأ إصداره الشعري الأول (نبضات) أنه جاء ليقول شيئا.. وأن ثمة من يبعث في حالة الموات الفكري والأدبي بصيص أمل.. وأن الوقت قد حان لظهور شعري جمع إلى نبل الرسالة جمال الكلمة..

* ما هي الرسالة التي أراد الشاعر عبد المجيد إيصالها إلى الجمهور في اليمن عبر نبضات؟

بداية، أشكر صحيفة الصحوة على هذه المبادرة الطيبة، وأحييها على هذه الصفحة الأدبية المشرقة التي من خلالها تحاول ربط القارئ بالكلمة الراقية المؤثرة، والبيان الساحر.

أما عن الرسالة التي أريد إيصالها إلى الجمهور، فأولا أريد أن يدرك الجمهور أن للشعر رسالة، وأن الشعر برسالته قادر على التغيير والتطوير؛ فقوة الكلمة تفعل ما لا تفعله قوة الذرة أو قوة النواة.

لقد أشرت إلى رسالتي في هذا الديوان بكل وضوح في قصيدة نبضات الفجر، والتي أقول فيها:

ذَلكَ الشَّــلاَّلُ دَفـَّـاقاً أتَى مِنْ قَطَراتْ

والجِــبالُ الشَّاهِقَاتُ الشُّـمُّ كانتْ حَصَواتْ

وبـِــنَاءُ الكَونِ في ذَرَّاتـِــهِ مُجْتَمِعَاتْ

بَذْرةٌ مَعْ بَذْرةٍ تَمْلأُ حَقْلِــي شَجَرَاتْ

خُطْوَةٌ مَعْ خُطْوَةٍ تُنْجـِــزُ كُلَّ الأُمْنِـــيَاتْ

وحَيَاةُ الطّفْلِ تَبْدَا بالبُـكا والصَّـرَخَاتْ

وبُلُوغُ الغَايَةِ القُصْوَى ببَعْض الوَثَبَاتْ

ونَجَاةُ الأُمّةِ الغَرْقَى بـِـهَذي النَّبَضَاتْ

* رغم أن عمركم الشعري يزيد عن خمسة عشر عاما ـ فلماذا تأخر إصداركم الأول كثيرا؟

ـ تأخر الإصدار يعود إلى أسباب ذاتية، وأسباب خارجية، أما الأسباب الذاتية فهي رغبتي في أن أخرج للناس أحسن ما أستطيع، ولهذا لم أشأ التسرع في إصدار ديوان. وأما الأسباب الخارجية عن طبيعة الشعر والشاعر، فهي أنني انشغلت بإعداد عدد من المؤلفات والبحوث والمقالات، سواء ما كان في مجال الدراسات القرآنية والإسلامية، أم في مجال اللغة، أم في مجال الدراسات الإستراتيجية. وستخرج للناس تباعا إن شاء الله.

ورغم ذلك فإنني قد نشرت قصائد من هذا الديوان، وقصائد أخرى لم ترد فيه في صحف ومجلات ومواقع عديدة.

* من من ملوك البيان الشعري استحوذ على إعجابك وأقنعك بالولوج إلى عالم القصيدة؟

قرأت لكثير من الشعراء العرب وغيرهم قديما وحديثا، وكثير ممن استحوذ على ناصية البيان أثر فيّ بطريقة ما، ولكن أبرز من تأثرت بهم قديما: المتنبي، فهو فارس أصيل اعتلى صهوة البيان، وجعل من نفسه تمثالا شامخا على مر الدهور لا تزعزعه الأنواء، ولا تعصف به الرياح؛ ذلك أنه عرف كيف يوظف الكلمة في خطاب الوجدان. تأثرت أيضا بابن زيدون وجرير.

أما في العصر الحديث فمن أبرز من تأثرت بهم: أبو القاسم الشابي، وهاشم الرفاعي، ومن اليمنيين: الشهيد محمد محمود الزبيري، وعبد الله البردوني. وهناك آخرون غيرهم.

* متى تأتيك القصيدة؟ وهل تشترط لها طقوسا معينة؟

القصيدة لا تأتي، وإنما تنفجر من الداخل، لتعلن عن ميلادها، فهي ثورة وجدانية، لا أمتلك خيارا في قبولها أو ردها. وكثيرا ما أحاول أن أغازلها لتأتي فترفض أن تدنو مني، وإذا دنت في مثل هذه الحالة فإنما هي أشباح لا حس فيها ولا أرواح.

ومما أذكره هنا أنني أكثر من مرة كتبت شعرا أثناء الامتحانات، حيث أجد نفسي مكرها على الكتابة، بل لا أستطيع أن أحل الامتحان إذا لم أتوقف خمس دقائق لأكتب القصيدة في قصاصة، وأشعر المراقب بذلك.

وبالنسبة للطقوس فأنا لست من محترفي الطقوس الشعرية، فليس لي ملك ولا جان يحمل القصيدة بين يديه، وإنما يحملها الإنسان، هذا الإنسان هو مصدر إلهامي، ومنبع بياني، هذا الإنسان الذي أراه أيا كان هو من يفجر ثورة الشعر بداخلي. الإنسان الذي يكون خارجي وأجده داخلي هو الوحيد القادر على أن يبعث في وجداني فيضانات غامرة من الشعور تترجم إلى شعر.

الإنسان حين يتألق وحين يخفق، الإنسان حين يطمح وحين يفتر، الإنسان حين يحب وحين يكره. الإنسان الذي يثور على الظلم والجبروت، والإنسان الذي يستخذي للقهر والرهبوت، الإنسان حين يقدس المعرفة وحين يعبد الجهل...الإنسان أبا وأما وزوجة وولدا ... الإنسان ذلك هو طقسي الذي أكتب الشعر فيه ومن خلاله.

وكما قلت في قصيدة (بطاقة تعريف):

أَنَا جَمْــرَةْ

وفُؤَادِي يَنْبِـِــضُ الآهَاتِ حُـرَّةْ

ولِسَانِي أضْرَمَتـْهُ لَهَباً مِلْيَارُ زَفْرَةْ

أنْضَجَتْ شِعْري المَلايينُ التي تَمْـشي كَسِـــيرَةْ

فَغَدا في الأرْض ثَورَةْ

تَـسْحَقُ الطّاغِــي وَرُكْنَهْ

* هل قويت رسالة الشعر اليوم أم ضعفت؟ ولماذا؟

رسالة الشعر اليوم هي رسالته قبل قرن وقبل عشرة قرون، إنما يضعف حملة الرسالة، فإذا قيض لها من ينهض بها فإنها تنبعث من جديد، كما حملها الزبيري وغيره من الرواد.

والحقيقة اليوم أن حملة الرسالة الشعرية هم أقل تأثيرا من غيرهم، بل إنك لتجد من بعض الصحفيين من هم أكثر تأثيرا من كثير من الشعراء، وهذا أحد أسباب ضعف الرسالة الشعرية، فالصحف أصبحت أسواق عكاظ في القرن العشرين، فسحبت البساط من تحت أقدام الشعراء، ومن الأسباب أيضا ابتعاد الشعر في فترة عن قضايا الناس، وأصبح ينشغل بوصف الإبرة والمخيط؛ مما جعل الناس ينفضون عن هذا الشعر، وصحيح انه قيض له في هذا القرن من يجدده، ويعيد إليه نضارته، ولكن كان الناس قد ابتعدوا كثيرا عنه. ومن الأسباب أيضا ضعف الذوق الشعري لدى الجمهور، بل ضعفت لديهم الحاسية اللغوية التي تجعلهم يتأثرون بروعة الكلمة، وهذا ليس من أسباب ضعف رسالة الشعر فحسب، بل إنه من أسباب ضعف تأثر كثير من المسلمين اليوم بالقرآن الكريم نفسه.

* ما رأيك في الحراك الأدبي في اليمن؟ والنقدي منه على وجه الخصوص؟

اسمح لي أن أقول لك أنه لا يوجد في اليمن حراك أدبي ـ من وجهة نظري، فالحراك الأدبي في اليمن جنين لم ير النور بعد. إن أي حراك له شروط معينة لظهوره، ثم تأثيره، الحراك الأدبي مظهر راق من مظاهر الثقافة الحرة، والتعبير الحر، وهذا ما تفتقده الساحة اليمنية ليس على المستوى الأدبي فحسب، بل على المستوى السياسي والفكري.

من وجهة نظري أن الحراك الأدبي في اليمن، وبالأخص النقدي منه ـ لا زال ضعيفا، ودون المستوى المطلوب، وذلك له أسباب عديدة، منها: افتقاد القلم للكلمة الحرة، وللمناخ الحُر، ومنها ضعف النشر الأدبي، وضعف التشجيع الحكومي أو المؤسسي لظهور حركة نقدية قوية. ومنها انشغال الناس بالقضايا السياسية، والدخول في أتون عراكات ساخنة، ومهاترات عقيمة، جعلت الناس ـ ذوي الثقافة ـ لا يجدون كيانا لهم إلا في اقتحام هذا الباب، بل إننا نجد كثيرا من الأدباء والنقاد يقحم قلمه في هذه المعمعة، وذلك كله على حساب النقد الثقافي، والحراك الأدبي.

* أين موقع المقاومة الأدبية مما يحاك ضد الأمة أرضا وإنسانا؟

إذا لم تتخذ لها المقاومة الأدبية موقع الصدارة في قيادة الأمة ـ فتبا لها من مقاومة. ولكن ينبغي أن نضع النقاط على الحروف، فقيادة المقاومة الأدبية للأمة هي قيادة تأثيرية وليست تنفيذية، ولا إخبارية، بمعنى أن المقاومة الأدبية تتخذ دورها في التأثير على عواطف الناس وصياغة توجهاتهم، وتوحيد اتجاهاتهم في القضايا المصيرية، فهذا هو دورها الأهم، ولا ننتظر من الشعر أو الأدب أن يكون منبرا للأخبار والمعلومات، إنما هو التأثير ثم يأتي بعد ذلك قادة الساحة التنفيذيين ليستفيدوا من الدفع التأثيري الذي قام به قادة البيان.

فإذا ما تقرر لدينا هذا الأمر عرفنا أن المقاومة الأدبية لم تتخذ موقعها بعد، بل ما زالت في المؤخرة، وتشغلها قضايا أدنى مما ينبغي لها أن تنشغل به.

* هل هناك مجموعة شعرية تصدر قريبا؟

نعم، سيصدر ديوانان إن شاء الله، وكلاهما يعدان للطبع. أحدهما يتعلق بالقصائد المغناة والمنشدة، والآخر يتعلق بالقصائد السياسية والوطنية. وهناك كتاب آخر سيصدر قريبا إن شاء الله عبارة عن اختيارات شعرية للمقطوعات الأخوية.

* كلمة أخيرة تودون قولها.

كلمة للصحوة، وأخرى للقارئ. أما التي للصحوة فأنا أشد على أيديهم كي يجعلوا من هذه الصفحة أداة فعالة لإعادة ربط القارئ بالكلمة المؤثرة، وإعادة تفعيل الكلمة لدى وجدان القارئ.

وأما التي للقارئ ـ فأقول له:

عَلَينَا الغِرَاسُ، وَيَا رُبّمَا

يَكُونُ الجَنَى لَيسَ مِنْ حَظّنَا

فإنْ نَجْنِِ مَا أَثْمَرَتْ نَسْتَرحْ

وإلاّ فَـنَفْـعٌ لِـمَـنْ بَعْدَنَا

بطاقة

ـ عبد المجيد محمد علي الغيلي

ـ تاريخ الميلاد: 1981م

ـ ماجستير من ـ جامعة الأزهر في أصول اللغة.

ـ صدر له كتاب كيف يبرمج القرآن الحياة، وديوان نبضات.