لو أن الرئيس علي عبدالله صالح يفقه شيئاً في شئون الاقتصاد لتابع مجريات المارثون الصعودي لارتفاع الدولار أمام الريال اليمني، والذي شهد الأخير نكسة كبيرة تعد هي الأولى منذ انهياره منتصف التسعينيات إذ أن تدهور الريال خلال الأسبوع الماضي من 204 ريال للدولار إلى قرابة 218 ريالاً ثم تراجع إلى 212 ريالاً كان كفيلاً ليس بإقالة محافظ البنك المركزي وحسب وإنما بإقالة الحكومة بأكملها.
لكن انشغال الرئيس على ما يبدو بشئون السياسة والحرب على الإرهاب ربما طغى على حدث كبير خطره ربما كان يفوق الآثار السلبية للحرب على التمرد والإرهاب، لأن تكلفته باهظة وتؤثر بشكل مباشر على الأسعار وأوضاع الناس المعيشية ورفع معدلات الفقر والبطالة وهروب الاستثمارات نظراً لفقدان العملة لقيمتها.
والظاهر أن فخامة الرئيس يصدق التبريرات والتقارير الواردة إليه من الجهات المعنية والتي تظهر له القدرات الفائقة لمسئولي البنك في التعامل مع هذه الأزمة والتي كان يمكن أن يصل الريال إلى 500 و 1000 ريال وفقاً لتقديرات المؤسسات المالية والنقدية الدولية، غير أن جهودهم الخارقة تمكنت من حدوث ارتفاع طفيف، لكن يا فخامة الرئيس هذه تبريرات واهية يحاول المسئولون طرحها لتبرير فشلهم الذريع في إدارة السياسة النقدية والتعامل بشكل صارم وسريع وفعال مع تقلبات سعر الصرف وإدارة هذه الأحداث بحكمة واقتدار نظراًَ لمحدودية قدراتهم وضعف أدائهم ،واهتمامهم بالسفريات وعوائدها أكثر من اهتمامهم برسم السياسات وتنفيذ الأهداف الطموحة والتي من خلالها يمكن تحقيق الاستقرار النقدي والاقتصادي.
يا فخامة الرئيس : السياسة النقدية مرتكز أساسي لاستقرار أي بلد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ، وهي في نفس الوقت تمثل أهم العوامل المزعزعة لاستقراره والمؤدية إلى التدهور الشامل على كافة الأصعدة وبالتالي فإن هذه السياسة قد أثبتت فشلها الذريع منذ بدء تراجع إنتاج وعائدات النفط خلال العامين الأخيرين ، مع أن مسئولي البنك ظلوا خلال السنوات الماضية يتبجحون بالنجاحات المتحققة على صعيد الاستقرار النسبي للعملة وارتفاع الاحتياجات الخارجية وتحقيق فوائض في ميزان المدفوعات ، مع أنهم يدركون أن تحقيق ذلك تم نتيجة ارتفاع عائدات اليمن من صادرات النفط فقط ، والدليل القاطع أنه مع انخفاض هذه العائدات عادت الأزمة من جديد وظهرت الاختلالات النقدية وانخفض الريال أمام العملات الأجنبية وفقد البنك المركزي السيطرة على الوضع النقدي.
يا فخامة الرئيس: اعلم أن أغلب المشاكل الاقتصادية بل والسياسية والاجتماعية هي ناتجة عن فشل السياسة النقدية، فلقد أدت إلى الركود الاقتصادي نتيجة الإفراط في استخدام أذون الخزانة وتجميد الأموال التي تقدر بـ 700 مليار ريال في خزائن البنوك وعدم قدرتها على توظيفها في تمويل مشاريع التنمية ، وبالتالي فقد قادت هذه السياسة الانكماشية والغبية إلى شل حركة النشاط الاقتصادي وتراجع حجم الاستثمارات المنفذة نتيجة غياب التمويل. بالإضافة إلى أن استمرار تدهور الريال يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأسعار والتضخم . وهذه العوامل جميعها تؤدي إلى تزايد معدلات الفقر والبطالة وانخفاض مستويات الدخول وتردي الأوضاع المعيشية لأغلب السكان وهذا بدوره قاد إلى هذه الفوضى والتذمر وشجع على الانضمام إلى ما يسمى بالحراك الجنوبي بل إلى التعاطف مع الإرهابيين والمتمردين .
صحيح أن السياسة النقدية ليست العامل الوحيد وراء هذه المشاكل وأن هناك عوامل أخرى مساهمة كالفساد والبيروقراطية وغياب النظام والقانون وعدم وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، لكن صدقني يا فخامة الرئيس أن فشل السياسة النقدية كانت سبباً رئيسياًَ في تفاقم مشكلات اليمن الاقتصادية.
يا فخامة الرئيس: بإمكانك أن تسأل خبراء اقتصاد محايدين عن الآثار السلبية والانعكاسات الخطيرة لفشل السياسية النقدية ، حينها ستدرك خطورة استمرار هذه السياسة العرجاء ، وحينها ستدرك أهمية إجراء تغيير شامل للإدارة وللسياسة الحالية والتي فشلت في وقف تدهور الريال وفي نفس الوقت في المساهمة الفاعلة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أخيراً يا فخامة الرئيس أرجو أن تسأل محافظ البنك المركزي عن عدد الخبراء الذين يعملون إلى جنبه في إدارة السياسة النقدية ومؤهلاتهم وأن تسأل أيضاًَ عن سبب استقالة وكيل قطاع الرقابة على البنوك محمد اللاعي والذي يعد من أفضل الكوادر المصرفية الشابة؟ وأن تسأل عن غياب جهاز الرقابة والمحاسبة عن البنك ووجوده خارج أسواره تحت مبرر الاستقلالية وأن تسأل عن أشياء كثيرة ربما تقود إلى استيعابك لمجريات ما يحدث في أهم سلطة داخل البلد وهي السلطة النقدية. هذا ما أملاه عليًّ ضميري .. فأنت ولي الأمر .. وأنت المسئول الأول والأخير... والأمر إليك .. فانظر ماذا ترى .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
* متخصص في الشئون المصرفية والنقدية.. |