الإصلاح بين الحزب والجماعة!!

الإصلاح بين الحزب والجماعة!!

"الإعتماد على الإقتناع ، و التفاني ، و غيرها من الصفات الروحية الممتازة، لا ينبغي أن تُؤخذ على محمل الجد في السياسة"  لينين

 

هل الأحزاب بحاجة إلى مراجعة أدائها في مختلف المراحل؟ وهل قبول الأحزاب للنقد الذاتي دليل على تطور هذه الأحزاب أم أنه فقط جلد للذات وليس وقته و ما معنا إلا الحاصل ولن يكون أفضل مما كان و ما بدا علينا بدينا عليه؟

 

ليست الأسئلة هي من تراودني هذه اللحظة و أنا أحاول الكتابة عن حزب الإصلاح في الذكرى الثامنة والعشرين لتأسيسه بل هي الذكريات تلح عليّ ، ففي السنة الثالثة لتأسيس الحزب كانت المناظرات قائمة والجدل بين اليمين واليسار على أشده، كنت ما زلتُ طالباً في المدرسة في إحدى قرى تعز، وهي المدينة التي خُلقت قبل الجدل بعامين و قبل الفضول بعقود، فضول الناس فيها و شجنهم هو سبب مشكلتهم اليوم، فليس من المعقول أن تمر حادثة أو قضية أو جدل دون أن يخوضوا فيه.

 

في الطريق الترابي من قريتي إلى المدرسة في القرية المجاورة كان الجدل يأخذنا إلى رفع أصواتنا طول الطريق ذهاباً و إياباً، فما هي القضايا الجدلية التي خضنا فيها؟ لم تكن تزيد عن "مكارحة" على ماذا قالوا في حقلة المسلسل ليلة البارحة، وفي النهاية خلص مسلسل البرادعي ولا درينا من هو البرادعي، خضنا في الرياضة و شجعنا منتخب الكويت حتى بعد انتهاء المباريات بأشهر كيف نترك الذكريات تمر دون جدل لا ينتصر فيه أي فريق.

 

في الصف الثالث الإعدادي أقسمتُ أن أتمسك بالاشتراكية العظمى، و في الصف الأول الثانوي كنت قد استقلتُ من كل ما هو شيوعي و أقسمت أن أتمسك بالكتاب و السنة و الحفاظ على بيضة الإسلام، والمهم في هذا هو أن الجدل مستمر،  لدرجة أن صديقي الذي تحول سلفياً بعد فترة كان في الصف الأول الإعدادي قد أخبرني أنه قائد حزب !! وفي الحقيقة كانت كلمة حزب غريبة عني في تلك المرحلة، لكني هززتُ رأسي وقلت "ربما "و أنا "مو دارني" قد يكون صدقه.

 

 الحزبية هي لعبة الطفولة المبكرة ، لا أحد أخبرنا أن السياسية شيء خطر و ممل و نهايته غير معروفة أبداً ، و لا يوجد أحد قد أبحر فيها وعاد إلى شاطئه القديم معافى .

فبعد 24 سنة حزبية تقريباً لا أجد شيء قد تغير، ما هي صفتي الاعتبارية في أكبر الأحزاب اليمنية و الذي يحتفل بذكراه اليوم؟ لا أدري ربما هناك صفة مكتوبة في "الكتاب الأحمر" المخفي و أنا لا أعلمها، عشرات المرات ماتت فيها الحزبية في مخيلتي لكن التصنيفات من الأصدقاء و المحاولين فرض صداقتهم بالصميل تذكرني أني ما زلت عضواً في الحزب.

 

وحدها الانتخابات هي التي تجعلني حزبياً عنيداً لا أريد حزبي أن يُهزم في أي منها، و الحزبية بدون إنتخابات ليست أكثر من مهزلة، و بسقوط الدولة في 21 سبتمبر كنت قد قرأتُ على الحزبية السلام، فمن أعطاكم رخص فتح هذه الدكاكين قد سقط.

 

حشود الثورة في 2011 أعادتني حزبياً بعد أن تمردتُ مراراً، لا أريد أن أرتقي حزبياً هكذا بمزاجي يكفي أن أتمتع بحق العضوية العاملة و كفى، الثورة أفلحت في أن تيقظ الشعور عندي بضرورة تطوير الحزب و فصل الدعوي فيه عن السياسي، بعد الثورة بشهرين كانت لنا ندوة حزبية حول الثورة إلى أين، وكنت أعددت فيها ورقة عمل بصفتي الثورية لا الحزبية في حزب ليست الثورة من أخلاقه ولا من قيمه ولم يأتي من فكر ثوري،  قلت لهم:" الثورة ستنتصر و سيتم تغيير الرئيس، ومن المهم أن يكون هناك برنامج لما بعد سقوطه" ، و قبل أن أختم ورقة العمل الثورية سألني شاب جديد من شباب الحزب:" بعد ما نخلص الثورة يا أستاذ ايش بنفعل؟ " قلت له : "سنغير مناهج الحزب وسنفصل الجانب الدعوي عن العمل السياسي وكله في سبيل الله" .، قاطعني الأمر الناهي و قال :" خلاص انتهى الوقت و لا أسئلة أخرى " ، قبل أن أنهي إجابتي، ضحكتُ و قلت في نفسي : "يعلم الله كيف بتكون" .

 

حين كتبتُ في 2011 ( الاصلاح ومشروع بناء الدولة ) و نشرتها ثلاث حلقات في يومية الجمهورية في 2012، كنت تطرقتُ لهذا الفصل، و قلت ليست مهمة الحزب إدخال الناس الجنة و إبعادهم عن النار، بل مهمة الحزب إخراج الناس من نار الفقر و المساهمة في إيجاد الحلول المناسبة لخدمة الناس ، الأحزاب ليست سوى خادمة للأمة لا وسائل للوصول إلى الحكم و التسلط ، خدمة الشعب غاية و التنافس فيها شرف.

 

من جهة أخرى يمننة المناهج التثقيفة للحزب هي فكرة قديمة لكنها لم تخرج عن التربية الروحية، أما التثقيف السياسي و الاقتصادي فما زالت غائبة إلا شذرات يختارها من لا يفقهون في الشأن السياسي وهم أقرب إلى نماذج التربية الدعوية، كنا في بداية هذا العام عبر خطاب جماهيري باسم تيار يمنيون قد دعونا الأحزاب السياسية إلى يمننة قضيتها وبرامجها و قلنا يكفي صراع إيديولوجي.

 

ليس المهم أن يتطور الحزب كفكرة أو كخطاب بل الأهم هو تطور أفراد الحزب و التحول من فكرة التبرير الذاتي لكل أعمال و أقوال القادة إلى نقد و مراقبة و محاسبة هؤلاء القادة، لا حزبية مع التبرير بل أبوية عاطفية ضرها أكثر من نفعها، قائدك يحتاج إلى تقويم و تقييم حتى يستقيم الحال، أما التبرير فليس سوى عجز عندك و خلل عنده إن تقبله.

 

أطلت الهاشمية السياسية بقبحها على واقعنا اليمني فكيف تعامل معها الإصلاح منذ نشأته؟ أنا هنا أدون شهادة لله و للشعب أن الإصلاح كان وما يزال حريصاً على نزع العصبية عن أفراده أياً كان نوعها، مستخدماً التربية الروحية لتفكيك العصبيات، ليس لدى الحزب مسألة مطلع منزل و شمال و جنوب و أبيض و أسود و هاشمي و يمني، لكن هذا لا يكفي للتعامل مع معضلة الهاشمية السياسية التي يرى اليمنيون اليوم بشاعتها، و هي مشكلة فوق مسألة التربية، و بدون المساهمة من قبل كل الأحزاب السياسية في تجريم الهاشمية السياسية فستعود تحت أي مسمى للإنقضاض على الدولة و الجمهورية و الثورة و اليمن، هذه عصبية عرقية عنصرية تستند على الحق الإلهي والنصوص المخالفة للكتاب المقدس، وإن ظهرت عند متشيعة القوم فقد مهد لها سنتهم و صوفيتهم، ليس المطلوب من الإصلاح سوى المساهمة في الحد من الظاهرة، وأفراده ممن يقولون أنهم هواشم عليهم أن يكونوا أعضاء في التجمع ((((اليمني)))) للإصلاح  بيمنيتهم بصفتهم مواطنين لا بعرقيتهم المثيرة للشكوك و الجدل ، إن تجريم الهاشمية السياسية مستقبلاً هو من سيخلص الهاشميين أنفسهم من معضلة (أنا خير منه) الأبليسية و ستخلص اليمن من كابوس التعصب و التخلف لينطلق نحو التنمية المستدامة.

 

الإصلاح في ذكراه الثامنة والعشرين عليه أن يفقه اليوم واقعه هل هو حزب السلطة أم حزب ما زال (كرتاً تستخدمه السلطة) وهل يريد أن يعيش في ظل السلطة دون أن يحكم؟  كثر الكذب أنه سيطر على السلطة بعد 2011 وظهرت النتائج في نهاية 2014 أنه لم يكن يمسك شيئاً في بلد تهاوى أمام طائفة أنصار الرب.

 

في هذا الظرف علينا التفكير في الشعب المغلوب على أمره، لا في الأحزاب، لكن هذه الأحزاب و منها الإصلاح تحتاج إلى التذكير بأنها أحزاب خرجت من رحم الشعب و عليها أن تكن له لا عليه.

 

 قدم الإصلاح الكثير من 2011 ضحى خيرة شبابه بأنفسهم لأجل اليمن، لا يستطيع أحد أن ينافسهم في التضحيات و لكن الكل ينافسهم في المناصب و الترقيات، ويظل الإصلاح حزب الشعب حتى هذه اللحظة و سيحكم في الغد بدون منازع، لكنه بحاجة إلى التحول الكلي إلى حزب سياسي لا دعوي حزب مؤسسي لا حزب الدعاة و العلماء، فهذه المصطلحات انتهى وقتها و لابد من الخروج الكلي من فقه الجماعة والدعوة إلى فقه الحزب و السياسة، و السياسة ليست فقهاً و لا دعوة هي دعاية و برامج و خطط تنموية، إعلان الحزب في 2015 أنه لم يعد له ارتباطاً بالإخوان مهم ويجب أن يُشجع عليه، وعليه ان يخرج إلى رحاب اليمن الكبير، اليمن بموروثه الفقهي أكبر من أي جماعة أو فكر مستورد، إن كان العالم الإسلامي اليوم يستند إلى الفقه الإسلامي فاليمن تستند إلى فقه التوحيد و الإيمان بكل الديانات المتعاقبة على أرضها، لا يوجد في المدرسة الفقهية اليمنية ما ينتقص من الديانات السماوية الأقدم من الإسلام، ماعدا ما نتج عن الهادوية و فقهها المتزمت ضد اليهود، على اليمنيين اليوم العودة إلى التسامح و التوحيد الذي عاشته الأمة اليمنية مع كل ديانات الله الواحد.

 

للإصلاح اليوم أسرى في سجون أعداء الأمة اليمنية، هؤلاء لا يخصون الحزب وحده بل يعنون الشعب اليمني كاملاً فهم يشكلون تاريخه النضالي هذه الأثناء و غداً سيقودون الحزب و الدولة، فلا قيادة بلا تضحيات و نضال.

 

أبارك للأمة اليمنية بحزبها اليمني الأصيل الذي لم يخذلها في أوقات الشدة، ولن يخذلها في التحول من جماعة منغلقة إلى حزب مؤسسي عريق يكتب التاريخ مع كل محبي الوطن جماعات و أفراد و أحزاب. كما أبارك لأصدقائي في الإصلاح عيدهم الثامن والعشرين و أتعجل قادة الحزب في تسليم الأمانة إلى شباب الحزب عبر ديمقراطية الإختيار لا عبر الطرق الملتوية للجماعة  في التزكية و إختيار الثقات فهذا لم يعد مقبولاً في هذه المرحلة.

 

#اصلاحيونلأجلاليمن

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى