المؤامرة بين أزمة الوعي وشواهد الواقع

المؤامرة بين أزمة الوعي وشواهد الواقع

كان من الطبيعي للإنسان العربي بعد رحيل الاستعمار أن ينظر إلى الغرب عموما نظرة ملؤها التوجُّس والحذر، حتى وإن حاولت بعض الدول الطاعنة في الاستعمار أن تغيّر من جلدها وأن تظهر بمسوح الإنسانية المدافعة عن حقوق الإنسان الداعية إلى المحبّة والخير والسلام، فهذه آثارهم تدلُّ عليهم: حركة  استشراق مشبوهة تعيد إنتاج جزء كبير من التراث العربي وفق منظورهم، وحدودُ ملتهبة، وتغذية صراعات بينية، وحملات تبشيرية، وثالثة الأثافي زراعة دولة الكيان الصهيوني في قلب العالم العربي والإسلامي.


وبناء على هذه الرؤية المبرّرة فقد ظهر خطاب يحذّر من الاستعمار، ويعدّد مساوئه ويفنّد آثاره في جل منابر الفكر العربي بعيد رحيل الاستعمار: في الأجندة السياسية، وفي مسارب العمل الثقافي والفكري، وحتى في المناهج الدراسية، وظلّ هذا الخطاب سائدا حتى ظهرت تيارات الحداثة التي جاءت معها بالمتثيقفين الجدد، والذين سعوا ما وسعهم الجهد في تجميل وجه الغرب، وتصويره على أنه المثل الأعلى للحضارة والرقي والتقدّم، ولكي ينجحوا في هذا المسعى فقد راحوا يشنّعون على كلِّ خطاب متوجّسٍ من الغرب بأوصاف عديدة، كان أشهرها وصف (عقدة المؤامرة) الذي استوحوه من (عقدة أوديب)، و(عقدة أليكترا) في الفكر الفرويدي، ويصورونه على أنه ليس إلا شماعةٌ تبرر من خلالها الحكومات العربية والإسلامية عجزها وفشلها في إدارة شئون البلاد والعباد، وفي تكريس الواقع المتخلف وهي تمتلك من الإمكانات ما يجعلها قادرة على تحقيق أعلى قدر من الرفاهية ورغد العيش لشعوبها التي تعيش الفقر والعوز، حين تنحي باللائمة على الغرب البريء المسالم، الذي سن قوانين حقوق الإنسان ووضع يوما للحب.

ليس ثمّة شكّ في أن جزءا كبير من فشلنا كشعوب وحكام نتحمل مسئوليته نحن لعوامل عديدة يصعب حصرها في هذه العجالة؛ لكنَّ الخطاب الذي يتبنّى تبرئة الغربِ من تمزيقنا وتكريس التخلف بصوره المختلفة فينا هو خطاب مخادع كذّاب حتى وإن تزيى بكل الشعارات الطنانة الرنانة، ذلك أن (المؤامرة) التي يقودها الغرب ضدَّ العرب والمسلمين ليست أزمة وعي تعشعش في العقل العربي، ولكنها آلة مهولة تديرها مؤسسات وشركات عابرة للقارات، وقد انتقلت هذه المؤسسات والشركات من طور النشاط السري إلى طور العلنية، وأصبح جزء كبير من الإعلام الغربي يتحدث عن ذلك ببجاحة مقيتة، وصلف شديد، وهو أمرٌ طبيعي في سياق فهمنا للعقلية الغربية، لكنَّ الأمر غير الطبيعي والذي لا يمتُّ إلى منطق الواقع بصلة هو أن يأتي من بين ظهرانينا اليوم من يتحدّث عن عقدة المؤامرة كأزمة وعي، لا كسلوك تنتهجه المؤسسة الغربية، وترصد له كافة الإمكانات بشكل واضح.

لقد أصبحت مؤامرة الغرب حاضرة في كل جزئيات المشهدين العربي والإسلامي، وما فشل الثورات الشبابية التي لا طالت بلح الشام ولا عنب اليمن إلا تجسيد صارخ لهذا التوجه القديم الجديد الذي يصادر حق الشعوب في الحرية والعيش الكريم، ويسعى في إبقاء العرب والمسلمين مربعات تابعةٍ ذليلة يسهل تدجين شعوبها وامتصاص خيراتها وتقليم أظافرها، وتضييق الخناق على مكامن الإبداع فيها، والنظر بعد ذلكَ بعين الرضى لكل أولئك الكَتَبَة الكَذَبَة الذين يعيشون بعيدا عن مجريات هذا الواقع ويتحدثون عن أمة مثخنة بالعُقد وأشدها عقدة المؤامرة!!!

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى