يوم مشمس في كوالالمبور (4)

يوم مشمس في كوالالمبور (4)

بعد جهد - في أيام كئيبة تشبه أجواء هذه الغابة الاستوائية والمجاورة لغابات أخرى يتم حرقها سنوياً للتخلص من أشجار نخيل الزيت، والتي أنتهي عمرها الافتراضي وبدلاً من التخلص منها بطرق غير مضرة بالبيئة يتم حرقها والتخلص منها ومن البيئة معاً - ها أنا ما زلت أكتب لكم وأقرأ أعينكم كما فعلتُ ذلك مراراً دون أن أخبركم. أكتب وأنا استنشق الدخان محاولاً أخذ نفس عميق عملاً بنصيحة صديق.

الاختناق المرئي هذا يُشاهد مع بزوغ أشعة الشمس المختفية خلف طبقات الدخان الكثيف، لا شيء يستحق النهوض مبكراً، لا طعم للقهوة ولا الفجر يغريك بالتقاط صوره المتعددة، إنه أحد نهارات كوالالمبور الكئيبة. من يعانون من التحسس بأنواعه والأزمة والربو وأمراض الرئة والذين لا تناسبهم أجواء الجحيم في هذه المدينة، ليس أمامهم إلا أن يضعوا الكمامات على وجوههم أو أن يهاجروا خارج البلد المحاط بالدخان، أو أن يتعودوا على العيش معنا في أتون هذا الجحيم. وما على فيروز إلا أن تخفض صوتها فلا عشاق لأغاني الصباح في هذا الموقد الكبير.

هل لازلت تشم رائحة الدخان؟ 
أنا: لا خلاص الحمد لله فقدت حاسة الشم منذ أمد، ولا أحتاجها حالياً، فالدخان هو الجو والرائحة ورفيق الليل والنهار، والشمس غربت أو أشرقت لا فرق لم تعد بهية ولا عاد قرصها يتصف بالجمال، وحدهم عشاق الغروب والمصورون هم الأكثر خسارة، لا لوحات بهية في هذه السماوات وليس هناك ما يغري في أعين النساء ذوات الحدقات الضيقة في هذه البلاد، ويبدو أن الأعين الباكية من الدخان لم تعد تشتاق لأحد.

تحاول أغاني حمود السمة أن تنقلني لأجواء صنعاء، مثقلٌ أنا بهمومي اليومية، وبوطن لم يعد يتسع لي وها أنا أسمع له برغم المسافات وأجواء الحريق وعدم القدرة على التنفس، لا شيء مهم فحمود السمه يغني: "يا كحيل العيون ودعتك الله، ودعك عاشقك فقله مع الله" مع الله يا وطن، مع الله يا أنا، مع الله يا كل هذا البلاء.

احترقي يا كوالالمبور أو اغتسلي بالمطر، حتماً سأجد الطريق لإحياء ما أنا بصدد إحيائه مع رفاق أتت بهم الطرق مثلي ورمتنا في هذا المنفى الاختياري، من كان علي شاكلتي لا يموت ولا يتغير بتغير الزمان والمكان، فحيناً أكون حجراً وأحيانا أتحول إلى شجرة ومرات أحلق كطير، دون أن أشعر بالتعب، أنا هنا والوطن أيضاً هنا حيث تحترق أنفاسي فما في شراييني سواه. 

صرتُ اتعمد الحديث إلى أصدقائي وأنا جالس، فلم أعد أجيد حديث المشائين. مؤخراً صارت أحرف كلماتي تتقطع، ربما تأثرتُ بحريق الطبيعة هنا أو بالحرائق هناك والتي يختلقها حاملي سكاكين الغدر لتقطيع الجغرافيا والسكان والسماوات والأرض والبر والبحر، تقطع كلماتي له أسبابه وليس من فراغ. 

في مطلع عام الحب رسمت مع أصدقائي المقربين خرائط جديدة لمدينة الحلم اليماني الواقعة في المساحات الممتدة من المخا إلى عدن، كل تلك الأبراج التي تخيلتها مازالت رابضة هناك لم تتأثر بضربات ال إف 16 ولا بألغام ومدافع همج الجروف. وبرغم بُعد الشقة واتساع المسافات وبرغم كل هذا الضباب الكثيف، لازلت أتحسس الصور في الهارديسك حيث يتكوم معي حلمي المنهك مثلي .. أتساءل متى؟ أبراجنا المرسومة بين البحر والجبل والسهوب المتسعة تناديني عبر ألوان الشفق المرسومة في انعكاس الضوء لأضع توقيعي علي تلك اللوحات المعلقة في السماء، لا أعرف الكثير عن فن الرسم، هو الوطن وحده المرسوم في خيالي يحاول إعادة رسمي ورسم إبتسامة ولو باهتة على شفتاي. 

أنا القادم والمغادر من نفس الصالات ذات السقوف المرتفعة، أنا الراقص على جراحي، أنا المتناسي غدر الأصدقاء وكلما أذكره هو وهن الأعداء وقدرتي على الرفض والحب والتجدد بحسب طقوس خيالي المتناثرة من حدود هذا الدخان اللعين حتى مشارف إرم.

القائمة البريدية

أشترك معنا في القائمة البريدية لتصلك كل الاخبار التي تنشرها الصحوة نت

تواصل معنا

الجمهورية اليمنية

info@alsahwa-yemen.net

الصحوة نت © 2018 م

الى الأعلى